إليه ، فسبا وقتل وخرّب بيت المقدس ، وسامهم سوء العذاب ، وفيما روي عن ابن عباس قال : فلما أفسدوا ، بعث الله عليهم في المرة الآخرة ، بختنصر فخرب المساجد " .
من تفسير البغوي :
قال قتادة : إفسادهم في المرة الأولى ، ما خالفوا من أحكام التوراة وركبوا المحارم ، وقال ابن إسحاق : إفسادهم في المرة الأولى قتل إشعياء في الشجرة وارتكابهم المعاصي ، ( بعثنا عليكم عبادا لنا ) ، قال قتادة : يعني جالوت الجزري وجنوده ، وهو الذي قتله داود ، وقال سعيد بن جبير : يعني سنحاريب من أهل نينوى ، وقال ابن إسحاق : بختنصر البابلي وأصحابه ، وهو الأظهر ، ( فإذا جاء وعد الآخرة ) وذلك قصدهم قتل عيسى عليه السلام ، حين رفع ، وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام ، فسلط عليهم الفرس والروم خردوش وطيطوس ، حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم .
من تفسير الشوكاني :
والمرة الأولى ، قتل شعياء ، أو حبس أرمياء ، أو مخالفة أحكام التوراة ، والثانية قتل يحيى بن زكريا ، والعزم على قتل عيسى ، ( عبادا لنا ) قيل هو بختنصر وجنوده ، وقيل جالوت ، وقيل جند من فارس ، وقيل جند من بابل ، والمرة الآخرة ، هى قتلهم يحيى ابن زكريا ، ( وإن عدتم ) قال أهل السير ، ثم إنهم عادوا إلى ما لا ينبغي ، وهو تكذيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكتمان ما ورد من بعثه فى التوراة والإنجيل ، فعاد الله إلى عقوبتهم على أيدي العرب ، فجرى على بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر ، ما جرى من القتل والسبي ، والإجلاء وضرب الجزية ، على من بقي منهم ، وضرب الذلة والمسكنة .
من تفسير الألوسي :
واختلف في تعيين هؤلاء العباد في إفسادهم الأول ، فعن ابن عباس وقتادة ، هم جالوت الجزري وجنوده ، وقال ابن جبير وابن إسحاق هم سنحاريب ملك بابل وجنوده ، وقيل هم العمالقة ، وفي الأعلام للسهيلي ، هم بختنصر عامل لهراسف ، أحد ملوك الفرس الكيانية ، على بابل والروم وجنوده ، بعثوا عليهم حين كذبوا أرميا وجرحوه وحبسوه ، قيل وهو الحق .
واختلف في تعيين هؤلاء العباد المبعوثين ، بعد أن ذكروا قتل يحيى عليه السلام في إفسادهم الأخير ، فقال غير واحد إنهم بختنصر وجنوده ، وتعقبه السهيلي وقال بأنه لا يصح ، لأن قتل يحيى بعد رفع عيسى عليهما السلام ، وبختنصر كان قبل عيسى عليه السلام بزمن طويل ، وقيل الاسكندر وجنوده ، وتعقبه أيضا وقال : بأن بين الاسكندر وعيسى عليه السلام نحوا من ثلاثمائة سنة ، ثم قال لكنه إذا قيل إن إفسادهم في المرة الأخيرة بقتل شعيا ، جاز أن يكون المبعوث عليهم بختنصر ومن معه ، لأنه كان حينئذ حيا ، والذي ذهب إليه اليهود ، أن المبعوث أولا بختنصر ، وكان في زمن آرميا عليه السلام ، وقد أنذرهم مجيئه صريحا ، بعد أن نهاهم عن الفساد وعبادة الأصنام ، كما نطق به كتابه ، فحبسوه في بئر وجرحوه ، وكان تخريبه لبيت المقدس ، في السنة التاسعة عشر من حكمه ، وبين ذلك وهبوط آدم ثلاثة آلاف وثلثمائة وثماني وثلاثين سنة ، وبقي خرابا سبعين سنة ، ثم إن أسبيانوس قيصر الروم ، وجّه وزيره طيطوس إلى خرابه ، فخربه سنة ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين ، فيكون بين البعثين عندهم أربعمائة وتسعون سنة ، وتفصيل الكلام في ذلك في كتبهم ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .
وقال الألوسي : " ونعم ما قيل إن معرفة الأقوام المبعوثين ، بأعيانهم وتاريخ البعث ونحوه ، مما لا يتعلق به كبير غرض ، إذ المقصود أنه لما كثرت معاصيهم ، سلط الله تعالى عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى ، وظاهر الآيات يقتضي اتحاد المبعوثين أولا وثانيا "
ونقول : نتفق مع الألوسي في بعض ما ذهب إليه ، ونختلف معه في التقليل من شأن المبعوثين ، التي ما أخبر بها سبحانه ، في كتابه العزيز إلّا لكبير غرض ، وهو إثبات أن هذا القران من لدن علّام الغيوب ، لمن هم في شك يلعبون من المسلمين وغيرهم ، فهذه النبوءة تحكي واقعا نعاصره الآن ، بكل تفاصيله ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) ومعرفة وتحديد المرتين ، أمر في غاية الأهمية . مع أن عبارته الأخيرة – رحمه الله - في النص السابق ، التي أكد فيها " اتحاد المبعوثين أولا وثانيا " ، وهو المفسّر الوحيد من القدماء ، الذي أشار صراحة إلى هذا الأمر ، أعطتني دفعة كبيرة للمضي قدما في هذا البحث ، حيث كنت قد تتبعت الضمائر الواردة في الآيات ، وتأكدت من هذا الأمر في بداية البحث ، فقد أيّدت هذه العبارة ، جانبا من الأفكار التي كنت أحملها ، فيما يتعلق بهذه النبوءة ، بعدما تبيّن لي من خلال الأحاديث النبوية ، التي ذكرتها في بداية البحث ، أنّ فناء دولة إسرائيل ، سيكون قبل قيام الخلافة الإسلامية ، التي ما زال عامة المسلمين ، ينتظرون ويأملون قيامها ، للقضاء عليهم وإنهاء وجودهم . وبما أن المبعوثين عليهم أولا وثانيا متحدين ، فذلك يعني أن معرفتنا لمن بُعث عليهم أولا ، ستقودنا بالضرورة لمعرفة من سيبعث عليهم ثانيا ، وثالثا للكشف عن الكثير مما أحاط هذه النبوءة من غموض ، كان سببا في كثير من التفسيرات المغلوطة ، التي أوقعت أُناس هذا العصر ، في الحيرة والارتباك .
كان هذا عرضا لمجمل ما قاله المفسرين ، أجلّهم الله ورحمهم جميعا ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أحدا منهم ، لم يعاصر قيام دولة اليهود للمرة الثانية ، وكان أكثرهم حداثة ، هو الألوسي الذي توفي سنة 1227 هجري ، والملاحظ من أقوالهم ، أنهم أجمعوا على