سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
تُشير هذه الآية ، بذكر المسجد الحرام ، إلى نقطة البداية ، لانتشار رسالة الإسلام ، التي أنعم الله وأكرم بها نبيه ، محمد عليه الصلاة والسلام . وبذكر المسجد الأقصى ، تُشير من طرف خفي ، إلى ما ورد في الحديث الصحيح ، إلى أن مسك الختام لهذه الرسالة ، آخر الزمان ، سيكون بنزول الخلافة الراشدة ، وأميرها المهدي في بيت المقدس ، بإذن الله . وهذا مما يوحي بأن قيام دولة إسرائيل ، هو أحد أشراط الساعة ، وأن نهايتها ، علامة لقرب ظهور المهدي ونزول الخلافة فيها ، والله أعلم . وأهم ما جاءت به الآية هو تعريف المسجد ، بوصفه بالأقصى أي الأبعد ، وبالذي باركنا حوله ، وهو المسجد الذي سيكون موضوع ما يلي هذه الآية من آيات .
( وَآتيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2)
في هذه الآية ، يحذّر الله بني إسرائيل ، من الاتّكال على غيره ( لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ .. وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ (28 آل عمران ) ويختم سبحانه السورة ، بقوله ( .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ .. ) أي لم يتخذ له حليفا لضعف أو لذلّة ، وهذا تعريض بالعلو الحالي لبني إسرائيل ، حيث كانوا أذلّاء مضطهدين ، وبموالاة الغرب أصبحوا سادة .
ويذكّرهم فيها بما أنزله عليهم من الهدى ، ليكون لهم نورا يهتدون به ، ومن ضمنه هذه النبوءة ، التي أعادها إلى أذهانهم مخاطبا إياهم بمضمونها ، وكما وردت في الكتاب الذي أُنزل على موسى عليه السلام ، ويحذّرهم من اتّخاذ أولياء من دونه ، من الإنس والجنّ على حدّ سواء .
فاختاروا الولاء لغير الله ، وتمسكنوا ، وحقّقوا مآربهم منذ البداية بالفساد والإفساد ، بما خطّطوا له بمكرهم ودهائهم ، ونفذّه غيرهم ، من فتن وحروب سبقت وهيّأت الظروف ، وتسبّبت في قيام دولتهم في فلسطين . ولما تمكنوا استعلوا واستكبروا فيها ، استمروا بالفساد والإفساد ، وساموا أهلها سوء العذاب ، فاستحقّوا غضب الله واستوجبوا العقاب ، فتوافق أمرهم مع ذهب إليه النص القرآني ، بذِكر إفسادهم في الأرض بمجملها أولا ، ومن ثم جاء ذِكر علوهم الكبير الذي نشهده هذه الأيام ، في قوله تعالى ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ) .
( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)
يقول ابن كثير : " تقديره يا ذريّة من حملنا مع نوح ، فيه تهييج وتنبيه على المنة " وهذا النداء موجّه لبني إسرائيل ، وبالإضافة لما قاله ابن كثير ، نلمس تهديدا وتحذيرا خفيا لبني إسرائيل ، من وراء ذكر نوح عليه السلام ، فعادة ما كان سبحانه وتعالى ، يمنّ عليهم بتذكيرهم بنعمة النجاة من فرعون وقومه ، ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (50 البقرة ) إلا في هذا الموضع ، وهي المرة الوحيدة في القرآن التي يمنُّ عليهم فيها ، بأنهم سلالة من حمل مع نوح عليه السلام ، أي من الذين أنجاهم الله من الطوفان ، حثا لهم على الإيمان به ، والعبادة والشكر له كما كان يفعل نوح والذين حملهم معه ، وأنّ فِعل هؤلاء هو الذي أنجاهم من الهلاك ، فإن لم يفعلوا كما فعلوا ، حلّ بهم ما حلّ بقوم نوح . وذِكْرُ نوح في هذا الموضع وتكرار ذكره ، في الآية (17 الإسراء ) ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) دفعني إلى إلقاء نظرة على سورة نوح .
ومنها قوله تعالى ( ... أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) ... إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ... (4) ... فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) … جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) … وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) … قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) .. وَقَدْ أَضَلّوا كَثِيرًا ... (24) … رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) ... وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28 نوح )
اقرأ هذه الآيات وتفكّر وتدبّر ( .. أولا إنذار .. ولا تأخير .. فرار .. إصرار واستكبار .. إمداد بأموال وأولاد .. وجنات وأنهار .. استهزاء وسخرية .. عصيان .. عبادة القوة والمال .. المكر الكبير .. الإضلال .. الكفر .. وأخيرا تبار .. )
وهذا هو حال بني إسرائيل .. وهذا هو الإفساد في الأرض .. وردُّ الله عليه أوله إنذار .. فإن كان هناك استكبار وإصرار .. كان هناك تبار . يقول سبحانه ( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15 الإسراء ) .
والرسول قد بُعث ، منذ ألف وأربعمائة وإحدى وثلاثون عاما ، وقد أتاهم بالإنذار في كتاب ربه ، ( وصحيفة الإنذار ) الموجهة لتلك الأفاعي في الجحر الأبيض ، وتلك الطفيّليات في منتجعات المال العالمية ، التي تمتص بنهم دماء الكرة الأرضية ، وتلك الفئران المستأسدة في قدس الأقداس ، هي ( سورة بني إسرائيل ) ومن أول حرف فيها وحتى آخر حرف ، حيث قال فيها ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا .. ) وقد ساد دولة الكفر ويسودها ، قطاع الطرق واللصوص والقتلة ، وأسافل مجرميها ( .. فَفَسَقُوا فِيهَا .. ) فاغتالوا أصالتها ، وقدسيّة أرضها ، ووقار شيخوختها ، وسكينة عبّادها ، وحياء حرائرها ، وأحلام طفولتها ،