منتدي عرب البهجة يقدم بقلم محمد عبدالستار
من خلال ردود الأفعال الأولية لبعض الأخوة ، سواء من قرأ أو من لم يقرأ الكتاب ، وجدنا أن الكثير من الناس ، تخلط ما بين أمرين ؛ الأمر الأول : هو كشف الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، وهو ما لا ندعيه في كتابنا هذا ، ونعوذ بالله من أن ندعيه ؛ والأمر الثاني : هو قراءة وبيان وتفصيل ، ما هو مكشوف أصلا في القرآن والسنة ، من علم الغيب ، مما أوحى سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام .
يقول سبحانه وتعالى ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ، ... ( 59 الأنعام ) ، ويقول ( قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65 النمل ) ، وقد جاء أسلوب النفي ومن ثم الإثبات في هذين الموضعين ليفيد الحصر ، أي حصر علم الغيب بالله دون غيره ممن في السموات والأرض ، وهذا ما يعلمه عامة الناس ويرددونه عن ظهر قلب ، وهذا مما لا خلاف فيه ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ، هل هذا الحصر مطلق ؟
فإن كانت الإجابة بنعم ، فما القول في الاستثناء الذي جاء في قوله تعالى ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ( 179 آل عمران ) ، وفي قوله ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ، … (27 الجن ) ، حيث استثنى سبحانه وتعالى الرسل عليهم السلام من تلك القاعدة ، إذ يقول ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ، مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا ، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49 هود ) ، ويقول ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ، مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52 الشورى ) . ليتبين لنا ، أن الله سبحانه وتعالى أطلع على غيبه من شاء من رسله ، وبذلك لم يحجب علم الغيب بالكلية عن البشر ، والإتيان بالحصر ثم الاستثناء ، يفيد بأن مرد العلم بالغيب أولا وأخيرا هو علام الغيوب ، وكذب وخاب من استقى علمه بالغيب من غيره .
أما ما كُشف للرسل فهو بعض من علم الله ، بما كان وما هو كائن وما سيكون ، مما اقتضت الحكمة الإلهية كشفه للناس عن طريق الوحي ، وكثير من هذا الغيب ، مخطوط فيما ورثته البشرية من كتب الأنبياء ، وفضلا عما جاء في القرآن من أنباء الغيب ، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام بالكثير من أنباء الغيب ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، وأفاضت الأحاديث النبوية في ذكر ما سيقع في مستقبل الأمة من فتوحات وفتن وابتلاءات ومحن وأشراط وأمارات للساعة .
وأما قوله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم ( قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ ، وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50 الأنعام ) ، وقوله : ( قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ، وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188 الأعراف ) ، لا ينفي علمه عليه الصلاة والسلام لبعض الغيب ، وما قيل له ذلك إلا ليجيب من يسأله عما لم يعلم من أنباء الغيب ، أو ما لا حكمة في الإخبار عنه مما علم .
تميزت النصوص النبوية التي تتحدث عن أحداث المستقبل ، سواء في القرآن والسنة أو في التوراة والإنجيل ، بالتلميح لا بالتصريح ، فهي غالبا ما تصف الشخوص والأزمان والأماكن والظروف والنتائج ، باستخدام عدة أساليب لغوية ، كالاستعارة والتشبيه والالتفات والاعتراض وما إلى ذلك ، مما هو غير مألوف لأناس هذا الزمان ، وخير مثال على ذلك هو ذكر اسم رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام في التوراة والإنجيل ، ( أحمد ) بالمعنى لا باللفظ ، وأحمد لغة هي اسم التفضيل من ( حمد ) ، ومعناها أحمد الناس أو أكثر الناس حمدا ، مع أن اسمه - محمد - في الواقع جاء بنفس المعنى مع اختلاف اللفظ .
والحكمة التي قد لا يدركها الكثير من الناس ، من عدم وضوح النصوص النبوية ، هو بقاء نسبة ضئيلة من الشك ، لحرمان الناس ذوي العلاقة من الدافع لتعطيل مجريات الأمور ، إذ لا بد للأسباب والمسببات أن تأخذ مجراها ، من حيث الزمان والمكان والشخوص ، حتى تتحقق النبوءات كما تم الإخبار عنها .
ولنا في قصة فرعون مع موسى عليه السلام خير مثال على ما قد يفعله المجرمون لتعطيل أمر الله ، عندما أمر بذبح مواليد بني إسرائيل كافة ، لمجرد رؤيا منام علم من تأويلها ، بأن واحدا منهم سيكون سببا في تقويض أركان ملكه ، ورغم ما اتخذه من إجراءات وتدبيرات احترازية لحرمان هذا الطفل من الحياة ، إلا أن مكر الله كان أعظم وأكبر ، وبالرغم من قدرته سبحانه على منع فرعون من إيذائه دون تدخل بشري ، إلا أنه أوحى لأم موسى بأن تتخذ من الأسباب ، ما هو كفيل بتحقيق المراد الإلهي .
هذا ما كان من أحد المجرمين والعتاة لمجرد رؤيا منام ، فماذا لو أتاه نص صريح بأن الذي سيقوض أركان ملكه ، هو ذلك الطفل الذي سيأتي به اليم إلى قصره ، فهل كان فرعون سيتخذه ربيبا ، أم ماذا سيفعل به ؟
وللناس من أمر النبوءات الواردة في القرآن والسنة مواقف شتى ، فمنهم من لا يرغب بالفهم ، ومنهم من ليس لديه القدرة على الفهم ، ومنهم من يعتقد بأن لا جدوى من البحث في أمرها ، ومنهم من يحاكمها بناء على أهواءه وأحلامه ، فيأخذ ما اتفق وينكر ما اختلف . ولذلك تجد بعض الناس ، عند الحديث عن المستقبل ، يقول مستنكرا لا يعلم الغيب إلا الله .
ونحن كمسلمين مطلوب منا أن نؤمن بالغيب المخبر عنه في القرآن والسنة ، لقوله تعالى ( الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3 البقرة ) ، وأعظم الغيب هو وجود الله ، ونحن وآباؤنا لم نعلم بوجود الله ولم نعرفه حق المعرفة ، ولم نعلم باليوم الآخر وما سيجري فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب ، إلا من