التي عاصرت ملك سليمان ، أنهم شاهدوا يوما بساطا خشبيا طائرا ، وسورة النمل تؤكد أن سليمان وجنوده ، كانوا يسيرون على الأقدام أثناء تنقلهم .
وبعد طول تفكير وتمعنّ وتدبّر في الآيات ، التي تتحدث عن الريح وعن ملكه عليه السلام ، تبين لي أنه كان يركب البحر ، منطلقا من الأرض المقدسة ، فتجري الريح بمركبه إلى حيث أراد برفق ولين في الذهاب ، لتسهل عليه عملية البحث والتقصي ، بدلالة قوله تعالى ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37 ص ) ، وبعد انتهاء المهمة ، يستعجل العودة إلى وطنه ، فيأمر الريح لتجري بقوة وسرعة إلى الأرض المباركة ، بدلالة قوله تعالى ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82 الأنبياء ) ، وأما الغاية من القيام بالرحلات البحرية ، فهي السياحة واستخراج كنوز البحر وجلبها لمملكته ، ويؤيد ما ذهبت إليه ، ذكر الغوص ، الذي كانت تقوم به الشياطين ، مباشرة بعد ذكر الريح في الآيات السابقة ، والغوص عادة لا يكون إلا في المياه العميقة ، وكانت مدة كل رحلة من رحلاته شهرين ، شهر في الذهاب وشهر في العودة ، بدلالة قوله تعالى ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ (12سبأ ) ، والله أعلم .
سليمان هو أول من بنى المسجد الأقصى :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثَةً ، سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ ، أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) رواه النسائي وأحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم ، وصححه الألباني .
هذا الحديث يؤكد :
1. أن مملكة داود وسليمان ، أي مملكة بني إسرائيل الأولى ، كانت في فلسطين .
2. أن سليمان عليه السلام ، بنى مدينة بيت المقدس .
3. أن سليمان عليه السلام ، هو أول من بنى المسجد الأقصى .
وأما التسمية بالمسجد فهي التسمية الإسلامية له ، وجاءت بعد حادثة الإسراء ، وأما في عهد سليمان عليه السلام ، فقد جاءت تسميته في القرآن بالصرح ، ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ) ، وأما الترجمة العربية للتوراة فأعطته اسم الهيكل ، والمعنى لكلتا التسميتين واحد ، وهو البناء الضخم المرتفع . وعلى كل الأحوال فإن المسجد الأقصى القائم حاليا ، يجثم في نفس المكان الذي أقيم فيه صرح سليمان ، والغريب أن الكثير من أئمة المسلمين وعامتهم ، ينكرون هذه الحقيقة ، ربما ظنا منهم أن اعترافهم بها ، يعطي الصهاينة حقا في هدم المسجد ، وبناء هيكلهم مكانه ، ويُسقط أحقيّة المسلمين فيه ، ويُضعف موقفهم في الدفاع عنه ، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى مخالفة النص القرآني ، وإنكار حتى تواجدهم في الأرض المقدسة جملة وتفصيلا .
قبلة اليهود هي الصخرة المشرّفة :
جاء في البداية والنهاية لابن كثير ، ما نصّه " قال الإمام احمد ، حدثنا اسود بن عامر ، ثنا حماد بن سلمة ، عن أبي سنان ، عن عبيد بن آدم ، وأبي مريم وأبي شعيب : أن عمر بن الخطاب ، كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس ، قال : قال ابن سلمة ، فحدثني أبو سنان ، عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب : " أين ترى أن أصلي " ، قال : " إن أخذت عني صليت خلف الصخرة ، وكانت القدس كلها بين يديك " ، فقال عمر : " ضاهيت اليهودية . لا ، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، فتقدم إلى القبلة فصلى ، ثم جاء فبسط ردائه ، وكنس الكناسة في ردائه ، وكنس الناس . وهذا إسناد جيد ، اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي ، في كتابه المستخرج " .
وجاء في تاريخ الطبري في رواية أخرى ، أن عمر أجاب كعب بقوله : " فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكنّا أُمرنا بالكعبة " .
ونقول أن مفاد الرواية أن كعب ، لما أشار على عمر بالصلاة خلف الصخرة ، أراد منه أن يجمع القبلتين في صلاته ، فأبى عمر وصلى ، جاعلا وجه تلقاء الكعبة ، والصخرة من وراء ظهره .
الصلاة في الشريعة الموسوية :
لنوضح الأمر ، نحتاج إلى معرفة طبيعة العبادة في شريعة موسى عليه السلام ، فالصلاة لديهم كانت تؤدّى بشكل فردي في البيت أو فيما يُسمّى بالمحراب ، في المعبد المقدس ( أي الهيكل ) ، ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ ، أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87 يونس ) ، والمحراب عبارة عن غرفة صغيرة منعزلة ، مخصّصة للصلاة والدعاء والذكر ، والأغلب أنها كانت تقام مرتفعة عن الأرض ، وهي أشبه ما يكون بالعليّة أو السدّة ، وقد ارتبط ذكر المحراب في القرآن ، بأنبياء بني إسرائيل الأوائل في فلسطين داود وسليمان ، ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21 ص ) ، وبآخر أنبيائهم زكريا ويحيى ( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ (39 آل عمران ) .
الصرح أو الهيكل ، كيفية بناءه وصفته وموقعه :
أما الصرح فعلى ما يبدو أنه كان أعجوبة من أعاجيب الزمان ، وأن من قام ببنائه وصناعة محتوياته هم الجن والشياطين ، وأن مادة البناء كانت من النحاس والزجاج ومواد أخرى ما عدا الحجارة ، وأنه اشتمل على المحاريب والتماثيل والأواني النحاسية الصغيرة ، والأحواض أو البرك المائية الضخمة المصنوعة من النحاس ، والجواهر والكنوز من لؤلؤ ومرجان وغيرها ، مما كانت تستخرجه الشياطين من أعماق البحار . قال تعالى ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37 ص ) وقال أيضا ( وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ، وَمِنْ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ ، وَتَمَاثِيلَ ، وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ ، وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ، اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ (13 سبأ ) .
وأستطيع وصف هذا الصرح بأنه بناء ضخم ومرتفع ، كانت الصخرة تقع في مركزه ، تحيط بها ساحة واسعة ، أرضيتها من الزجاج المصقول ، يُرى من خلالها ماء يجري أسفل منها ، أو ماء راكد في أحواض مائية ، وضع فيها ما استجلبه سليمان من المناظر والمشاهد البحرية ، مما استخرجته له الشياطين من أعماق البحر ، وعلى أطراف تلك الساحة أقيمت المحاريب العديدة للعبادة من كل جانب . والله أعلم .
وقد سمعت من زميل لي زار المسجد وتجوّل فيه ، أن هناك آبارا وأحواضا مائية ، تحت ساحة المسجد الأقصى مباشرة ، فإذا كان ذلك صحيحا ، ومع علمنا بأن المسجد الأقصى بُني في نفس موقع المسجد السابق ، وأن الصخرة هي القبلة الفعلية لليهود ، فهذا الأمر يُؤكد ، أن الصرح الذي كان قد بُني في عهد سليمان عليه السلام ، هو المسجد الذي دخله أولئك المبعوثين أول مرة ، وخرّبوه ونهبوا محتوياته ، فلم يبق له أثر يُذكر ، وعدم وجود آثار له ، يُؤكد أن هذا الصرح ، لم يتم بناءه بالطرق المألوفة ، سواء بهندسة البناء أو بالمواد المستخدمة ، فبُناته هم الجن والشياطين ، وبالتأكيد طريقتهم في البناء تختلف عن طريقة البشر ، وطبيعة المواد المستخدمة تختلف عما يستخدمه البشر ، وربما يكون هذا الصرح الخرافي ، هو ما دفع نبوخذ نصر صاحب حدائق بابل المعلّقة ، للإغارة على بني إسرائيل في المرة الأولى ، لنهب محتوياته .
حكمة سليمان عليه السلام وخرافات ألف ليلة وليلة :
الروايات الموجودة في كتب التفسير ، عن قصة سليمان وحبه لملكة سبأ ، ورغبته في الزواج منها ، وإدخالها إلى الصرح لرؤية ساقيها ، فيما إذا كان عليهما شعر ، أو أن قدميها كحوافر الحمار ، لأن أبوها أو أمها من الجن … إلى آخره . مما ليس له أصل حتى في التوراة ، جردّت سليمان عليه السلام من حكمته ، في الدعوة إلى الله ، وجعلت منه رجلا مزواجا شهوانيا ، كما أراد له أعداء الله وأعداء أنبياؤه أن يكون .
حكمة الهدهد :
ولكي نفهم ما جرى من حوار وأحداث ، بين سليمان وملكة سبأ ، دعنا نتمعن قليلا في قول الهدهد ( وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ، فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ ، فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24 النمل ) ، يقول الهدهد أنه وجدها هي وقومها ، يعبدون الشمس من دون الله ، ويعلّل ذلك بقوله أن الشيطان زيّن لهم أعمالهم ، بمعنى أن الشيطان فتنهم وأوهمهم ، وزيّن لهم الباطل على أنه الحق ، وعمّى سمعهم وأبصارهم ، فعطّل عقولهم عن تمييز الحقيقة من الوهم ، فحرمهم القدرة على الحكم على معتقداهم ، أهي خطا أم صواب ، فعبدوا الشمس على أنها ربهم ، وبذلك صدّهم عن السبيل ، أي منعهم من الوصول إلى الحقيقة ، وهي أن الله هو ربهم ، فما دامت أبصارهم قد عميت ، ويعتقدون بصوابية عبادة الشمس ، فمن أين لهم الهداية ، وهم على حالهم تلك . والرسالة التي وجّهها الهدهد لسليمان ، من خلال هذا القول ، هي أنهم بحاجة لمن يهديهم ، ويُزيل الغشاوة عن أبصارهم . فتكفّل سليمان عليه السلام بهدايتهم ، وبإزالة هذه الغشاوة ، لعلهم يُبصرون ومن ثم يهتدون ، بما أوتي من علم وحكمة ، بعد أن شرَّحَ الهدهد ، وشخَّصَ حالتهم المرضية ، وأعطى سليمان مفاتيح الحل ، والآن دعنا نتعلم منه عليه السلام ، هذا الدرس العملي في الدعوة إلى الله .
الدعوة إلى الله :
كان أول خطاب وجهه سليمان لملكة سبأ وقومها ، هو قوله ( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) ، خطابا حازما واثقا قويا ومزلزلا ، وكانت هذه هي الضربة الأولى ، في جدار معتقداتهم الوثنية المتأصلة في نفوسهم ، فقد كانت هي وقومها يعبدون الشمس ، ولم يكن لديهم علم بوجود إله آخر ، أولى بالعبادة من غيره ، ولكن هل أطاعت ؟ بالطبع لا ، فتغيير معتقدات البشر عملية صعبة جدا ، وتحتاج إلى أكثر من ذلك ، وتحتاج إلى علم وحكمة وصبر – وانظر في سيرة نبي الهدى عليه الصلاة والسلام مع كفار قريش لتحويلهم من عبادة إلى الأصنام إلى عبادة الله - ولكن هل تأثرت بذلك العرض القوي ؟ بالطبع نعم ، فردت بالهدية –